الخطيب الشربيني
564
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
وَأَخَّرَتْ أي : جميع ما عملت من خير أو شر أو غيرهما . فإن قيل : أي وقت من القيامة يحصل هذا العلم . قال الرازي : أمّا العلم الإجمالي فيحصل في أوّل زمان الحشر ؛ لأنّ المطيع يرى آثار السعادة ، والعاصي يرى آثار الشقاوة في أوّل الأمر ، وأمّا العلم التفصيلي ، فإنما يحصل عند قراءة الكتب والمحاسبة . وقوله تعالى : يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ أي : البشر الآنس بنفسه الناسي لما يعنيه ، خطاب لمنكري البعث . وروى عطاء عن ابن عباس : أنها نزلت في الوليد بن المغيرة . وقال الكلبي ومقاتل : نزلت في أبي الشريق ضرب النبي صلى اللّه عليه وسلم فلم يعاقبه الله تعالى في أوّل أمره . وقيل : تتناول جميع العصاة لأنّ الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب . ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ أي : ما خدعك وسوّل لك الباطل حتى تركت ما أوجب عليك المحسن إليك وأتيت بالمحرّمات الْكَرِيمِ أي : الذي له الكمال كله المقتضي لأن لا يهمل الظالم ولا يسوي بين المحسن والمسئ ، هذا إذا حملنا الإنسان على جميع العصاة ، فإن حملناه على الكافر وهو ظاهر الآية فالمعنى : ما الذي دعاك إلى الكفر وإنكار الحشر والنشر . فإن قيل : كونه كريما يقتضي أن يغترّ الإنسان بكرمه لأنه جواد مطلق ، والجواد الكريم يستوي عنده طاعة المطيع وعصيان المذنب ، وهذا يوجب الاغترار كما يروى عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أنه صيح بغلام له مرّات فلم يلبه ، فنظر فإذا هو بالباب فقال له : لم لا تجيبني ؟ فقال : لثقتي بحلمك وأمني عقوبتك ، فاستحسن جوابه وأعتقه . وقالوا أيضا : من كرم ساء أدب غلمانه . وإذا ثبت أنّ كرمه يقتضي الاغترار به فكيف جعله ههنا مانعا من الاغترار ؟ أجيب : بأنّ حق الإنسان أن لا يغتر بكرم الله تعالى عليه حيث خلقه حيا ، وتفضل عليه فهو من كرمه لا يعاجل بالعقوبة بسطا في مدّة التوبة ، وتأخيرا للجزاء إلى أن يجمع الناس للجزاء فالحاصل أنّ تأخير العقوبة لأجل الكرم ، وذلك لا يقتضي الاغترار بهذا التفضيل فإنه منكر خارج عن حدّ الحكمة ، ولهذا قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم لما تلاها : « غرّه جهله » « 1 » . وقال عمر : غرّه حمقه وجهله . وقال الحسن : غرّه والله شيطانه الخبيث ، أي : زين له المعاصي . وقال له : افعل ما شئت فربك الكريم الذي تفضل عليك بما تفضل به أوّلا ، وهو متفضل عليك آخرا حتى ورّطه . وقيل للفضيل بن عياض : إن أقامك الله يوم القيامة وقال لك : ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ماذا تقول له ؟ قال : أقول غرّني ستورك المرخاة ، وهذا على سبيل الاعتراف بالخطأ في الاغترار بالستر وليس باعتذار كما يظنه الطماع ، ويظنّ به قصاص الحشوية ويروون عن أئمتهم أنما قال بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ دون سائر صفاته ليلقن عبده الجواب حتى يقول : غرّني كرم الكريم . وقال مقاتل : غرّه عفو الله حيث لم يعاقبه أوّل مرّة . وقال السدي : غرّه رفق الله تعالى به . وقال قتادة : سبب غرور ابن آدم تسويل الشيطان . وقال ابن مسعود : ما منكم من أحد إلا سيخلو الله تعالى به يوم القيامة فيقول : ما غرّك بي يا ابن آدم ؟ ماذا عملت فيما علمت ؟ يا ابن آدم ماذا أجبت المرسلين ؟ الَّذِي خَلَقَكَ أي : أوجدك من العدم مهيأ بتقدير الأعضاء فَسَوَّاكَ عقب تلك الأطوار
--> ( 1 ) أخرجه ابن حجر في الكاف الشاف في تخريج أحاديث الكشاف 182 .